Shura Council>The Council>Sessions & Minutes>Archives of His Majesty’s speeches>الخطاب الملكي السامي الثالث للفصل التشريعي الأول
Archives of His Majesty’s speeches
الخطاب الملكي السامي الثالث للفصل التشريعي الأول

​​ ​بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة والأخوات أعضاء المجلس الوطني ،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

تتقدم المسيرة ، وتكبر التجربة ، ويعلو البناء ، فنلتقي اليوم لافتتاح دور الانعقاد الثالث لمجلسنا الوطني بجناحيه ، متمنين لكم مزيدًا من العطاء تلبية لتطلعات شعبنا الوفي لاستكمال مقومات الحياة الحرة الكريمة التي تليق بنضاله الوطني وعمله المنتج ووعيه المستنير .

ويطيب لنا بدايةً أن نسجل باعتزاز أنكم خلال العامين الماضيين قد أرسيتم ، بالتعاون مع الحكومة الموقرة ، وبشكل غير مسبوق في تاريخ البحرين ، تقاليد للعمل البرلماني المسئول نعتقد أنها تمثل منطلقًا صالحًا لحياة ديمقراطية متصلة الحلقات سواء في نطاق التشريع أو متابعة الأداء الحكومي طبقًا لصلاحياتكم الدستورية وبما يعكس الإرادة الشعبية التي ستبقى ، بإذن الله ، مصدر إلهامنا جميعًا ، وإنه لشرف عظيم أن يكون كل واحد منكم ممثلاً للشعب بأسره كما نص الدستور ، دون تمييز بين اتجاه وآخر ، حيث إن الجامع بيننا بعد الله سبحانه وتعالى ، هو الانتماء للبحرين قبل كل شيء .

معربين عن دعمنا لمجلسكم في أداء واجبه بالروح البنّاءة والحريصة على مصلحة الوطن العليا ، ضمن نظامنا الدستوري القائم على الفصل بين السلطات الثلاث : التشريعية والتنفذية والقضائية ، بما يكفل استقلال كل منها عن الأخرى في أداء عملها مع تعاونها المشترك من أجل الصالح العام ، تحقيقًا لتوازن السلطات الذي تتطلبه الممارسة الديمقراطية .

وإذ نشير في هذا الموقف إلى أهمية القيام بذلك وتعزيز الوعي به قانونيًا خلال هذه الدورة ، فإنه يهمنا التأكيد بأنه في دولة القانون لابد من تعزيز ثقافة القانون بصفة عامة ، في مختلف المجالات ، بحيث يترسخ الوعي القانوني اللازم لدى الجميع ، مواطنين ومسئولين ، فيعرف كل ذي حق حقه ، على الصعيدين العام والخاص ، وتتوضح الحقوق والواجبات وكذلك المسئوليات في مختلف القوانين السارية ، وما تحتاجه البلاد من تشريعات جديدة لأوضاعنا المستجدة ، وبما يؤدي بالسرعة الممكنة إلى تعديل القوانين المعيقة للتطوير ، أو للاستثمارات ، أو للمسيرة المباركة بصورة عامة ، وبلاشك ، فإن إقامة التوازن العملي بين متطلبات التشاور الديمقراطي في مجلسكم وما يتطلبه من وقت ، واحتياجات البلاد إلى إصدار القوانين الملائمة وما يتطلبه من إسراع هو المعادلة المثلى لأداء هذه المهمة الحيوية ، المتمثلة في استكمال البناء القانوني الشامل تنظيمًا لمختلف التعاملات في البلاد ، وبحيث لا يُواجه أي تجاوز للقانون إلا بمنطق القانون ، على كل صعيد .

وضمن هذا السياق ، وتجاوزًا لأشكال التمييز الذي يواجه المرأة ، فإن إعادة تنظيم شئون الأسرة ، بقانون مرن ومتوافق عليه ، يراعي مبادئ الشريعة السمحة ، بما يصون حقوق الأم والطفل ويرشّد العلاقة الشرعية بين الزوج والزوجة ، سيبقى هدفًا حيويًا لمجتمعنا ، ولابد أن يكون مجلسكم مواكبًا لهذا المشروع بحكم مسئوليته الدستورية ، على أن يكون مستمدًا من صميم عقيدتنا الإسلامية ، وما تتميز به من وسطية واعتدال ، وما تتيحه من اجتهاد حسب تغير الأزمان ، كما يتجلى من تجديد قوانين الأسرة في مختلف البلاد الإسلامية ، ونحن على ثقة بأن متابعة إصدار مختلف هذه القوانين والتشريعات ستأتي على الوجه الأكمل بإذن الله بالتعاون البنّاء بين مجلسكم والحكومة الرشيدة بقيادة العم العزيز الوالد صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء ، الذي يقوم والحكومة الموقرة على توفير احتياجات المواطنين وتلبية رغباتهم في شتى المجالات ، هذا فضلاً عن النجاحات الكبيرة التي حققتها الحكومة بقيادة سموه على امتداد مسيرة التنمية ، ولايزال الكثير الذي يجب إنجازه في مجال التنمية السياسية والتنمية الاقتصادية حتى نحافظ على المكانة المرموقة للبحرين وطنيًا وعالميًا .

هذا واستكمالاً لمسيرة الإصلاح الشامل ، التي بدأت بالاستفتاء العام على الميثاق وتفعيل الدستور ، ومثلت منعطفًا في تاريخ كفاحنا الطويل من أجل الحرية والتقدم والعدل ، ونقلت الحوار الوطني إلى مراحل أكثر تطورًا ، ومواكبة للمتغيرات الدولية في ميادين المعلومات والاتصالات والانفتاح السياسي ، والنمو الاقتصادي ، وحرصًا منا على مساهمة مختلف القطاعات الوطنية من التجار والعمال والجامعيين والكتاب ومؤسسات المجتمع المدني ، وإشراك عامة المواطنين والمواطنات العاملين بصمت ، في حوارات أشمل وأعمق بشأن المستقبل وبلورة القرار الوطني تحقيقًا للتنمية السياسية والاقتصادية والتعليمية وغيرها ، فإن صاحب السمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد ، قد كُلف من قبلنا بمهمة متابعة بحث هذه القضايا الوطنية حسب أهميتها بمواكبة الحوارات الوطنية الجارية وتعزيزًا لها ، وسيقوم سموه بإطلاعنا عليها وفق جدول أعمال سيعلنه ، وذلك استمرارًا لتوليه مثل هذه القضايا منذ بحث تفعيل ميثاق العمل الوطني ورئاسة سموه للمجلس الاقتصادي ، وعلى الأخص مبادرته المدروسة لإقامة ورشة إصلاح سوق العمل في البلاد بمشاركة مختلف الأطراف الوطنية المعنية توفيرًا للمزيد من فرص العمل أمام أبناء البلاد وما يتطلبه ذلك من معالجات مستقبلية سنتوافق عليها بالتشاور مع المعنيين بالأمر ، ونعتقد أنه من الشجاعة أن تصارح الدولة مواطنيها بالمشكلات فذلك بداية الحل ، وهو توجه ينال دعمنا الكامل ، هذا مع توجيهنا لولي العهد بضرورة العمل منذ الآن وضمن هذه المهمة على إعداد الصف الثاني من القيادات الشابة التي ستتولى المسئولية وترفع الراية وتواصل رسالة الإصلاح ، وبمشاركتهم معنا في إعداد المستقبل الذي هو من نصيبهم ، بإذن الله ، يكونون قد بدأوا الإسهام في صنعه ، مثلما أسهمت معنا أجيال من الشباب في بناء قوة دفاع البحرين التي لها من المكانة السامية في قلوبنا مع كافة الأجهزة الأمنية ما يدفعنا إلى الفخر والاعتزاز بها ، وما يستوجب منا بذل المزيد من التطوير والتحديث لما تقدمه من خدمات ليس في المجالات المختصة بها فحسب ، بل تتعداها إلى مختلف المجالات الاجتماعية والإنسانية وغيرها ، فإلى ضباطها وكافة أفرادها كل التحية والتقدير .

أيها الإخوة والأخوات ،

أما على الصعيد الخارجي ، فقد كانت دعوة البحرين للمشاركة في ملتقى الدول الصناعية الكبرى في يونيو الماضي في الولايات المتحدة تقديرًا للنموذج الذي تمثله في هذه المنطقة من العالم ، وهذا ما يدعونا إلى استكمال المسيرة المباركة بالمزيد من التصميم والعزم ، وأما على صعيد الجوار الخليجي والعربي ، بصفة خاصة ، فإنا نعتقد أنه بعد مرور الخليج بثلاث حروب مكلفة ، فضلاً عن تداعيات الصراع في الشرق الأوسط ، فإن شعوبنا بحاجة ماسة إلى تحقيق الأمن والاستقرار لاستئناف تقدمها الحضاري وتطورها الديمقراطي ومشروعاتها الإصلاحية . وإنه ليسعدنا أن نرحب بانعقاد القمة الخليجية المقبلة في البحرين متطلعين إلى لقاء القادة الأشقاء بدول المجلس لتطوير مسيرته بما يلبي تطلعات شعوبنا الشقيقة ويواكب المتغيرات المتسارعة ، وفي تقديرنا فإنه على المدى المستقبلي ، لابد من تعزيز الاستراتيجية المشتركة لمجلس التعاون برؤية متجددة لترتيبات النظام الإقليمي الأشمل في الخليج ، بمشاركة كافة الأطراف المعنية والقوى الدولية ذات الصلة في الوقت ذاته .

إلا أن ذلك لن يكتمل إلا بالتوصل إلى سلام شامل وعادل في الشرق الأوسط يقوم على ضمان الحدود الآمنة لكافة دوله بما فيها الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف . وعلينا ألا نكل عن هذه المطالبة ، أيًا كانت المصاعب ، لأنها عادلة ولا يمكن للضمير العالمي أن يتخلى عنها في نهاية المطاف .

وعلى الرغم من تتابع الحروب والصراعات الدامية في المنطقة ، فإنا نؤمن بأن كسب السلام لصالح جميع شعوبها هي المعركة التي ينبغي أن نعبئ جهودنا من أجلها ، بدءًا بالعراق الشقيق الذي لا حل لمشكلته إلا من ذاته وذلك ليتفرغ لإعادة بناء وطنه الذي يجب أن يبقى موحدًا تصون وحدته الديمقراطية ، والتعاون البناء مع جيرانه ، والانفتاح على المجتمع الدولي . ولعل الدعوة لعقد مؤتمر دولي بشأن العراق تشارك فيه الأطراف الإقليمية يمثل أنسب مدخل للمساعدة على معالجة المشكلات التي يعانيها ، كما أن مثل هذا المؤتمر يمكن أن يتكامل مستقبلاً مع ترتيبات الأمن في حوض الخليج بصفة عامة .

ختامًا ، أيها الإخوة والأخوات ،

نتمنى لكم جميعًا دور انعقاد مثمرًا يعتز به الوطن في رحاب هذه المؤسسة التشريعية العزيزة ، ولا بديل ولا مصدر للتطوير الديمقراطي إلا أنتم أبناء هذا البلد وممثليه ، فنحن لم نستورد الديمقراطية ، ولسنا بصدد استعارة مظاهرها من الخارج ، فقد أردناها منذ البدء نابعة من ذاتنا لأنها عميقة الجذور في كفاح الآباء والأجداد ، ولها أساس وطيد في تراثنا ، الأمر الذي يمنحها مجال النمو والتفتح ، ودعوتنا ستبقى متصلة لمزيد من المساهمات الوطنية المخلصة والمسئولة من أجل تطويرها من صميم هذه الأرض طبقًا للإرادة الشعبية ومؤسساتها الدستورية . مؤكدين أهمية الالتزام برصانة الحوار وأدب الاختلاف في الرأي على كل صعيد فذلك ما نعتبره من جوهر أخلاق أهل البحرين ، وإن كان ثمة رسالة نوجهها باسم البحرين إلى أمتنا ، ونحن نشهد ما تعانيه من احتراب ، فهي أن نبادر ، حماية لعقيدتنا وأوطاننا ، إلى تعزيز ثقافة الحوار والسلم والبناء والانفتاح على الثقافات الأخرى ، لنستفيد ونفيد كما علمتنا حضارتنا العربية الإسلامية ، ولابد من مصالحة النفس أولاً ، فالبيوت المنقسمة لا تبني أوطانًا عامرة .

وجه هذا النداء من على هذا المنبر المسئول اعتزازًا بأدائكم المتميز الذي جعله منارةً للخير والحق تستمد رسوخها من أصالة أهل البحرين وفطرتهم الصافية ، واثقين أنكم ستحافظون على ثوابت هويتنا البحرينية التي اتضح معدنها للجميع ، وشهد بها العالم .

 وفقكم الله ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .​

Page last updated on: 06/03/2018 12:07 PM