Shura Council>The Council>Sessions & Minutes>Archives of His Majesty’s speeches>رد مجلس الشورى على الخطاب الملكي السامي الثاني للفصل التشريعي الأول
Archives of His Majesty’s speeches
رد مجلس الشورى على الخطاب الملكي السامي الثاني للفصل التشريعي الأول

​بسم الله الرحمن الرحيم

حضـرة صاحب الجـلالة المـلك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين حفظه الله ورعاه،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

صاحب الجلالة،
بعد أن انقضى قرابة عام على بدء تدشينكم مرحلة جديدة من مراحل العمل الوطني، ها نحن نسعد ثانية بلقاء جلالتكم في يوم آخر أغر من أيام البحرين الخالدة، إيذانا بمتابعة العمل ومواصلة الجهد لنستكمل معًا رسم معالم الصورة الأجمل والأبهى من خلال إرساء بناء تشريعي محكم تضطلع بمسئوليته السلطة التشريعية المتمثلة في مجلسي الشورى والنواب، بعد أن تم تفعيل دورها في ضوء ما توافق عليه معكم أبناء شعبكم الوفي بمقتضى ميثاق العمل الوطني، والذي جاء تجسيدًا للمشروع الإصلاحي التحديثي لجلالتكم،الذي يشهد على الدوام قوة وثباتًا ورسوخًا بفضل ما أسبغتموه عليه من رأي ثاقب، وفكر مستنير، ووعي عميق لضرورات الحاضر المستشرف لآفاق المستقبل، وهو ما وفر الضمانات اللازمة لنجاحه. فبات المواطن يتنفس أجواء الحرية، ويعيش مناخ الديمقراطية، ويتفاعل مع كل ذلك بحس وطني صادق، وهو ما شكل المنهج السليم للمحافظة على سلامة الوطن وصون إنجازاته ومكتسباته.

ففي يوم السبت الحادي عشر من أكتوبر عام 2003م تشرف رئيسا مجلسي الشورى والنواب وأعضاؤهما بالاستماع إلى الخطاب السامي لجلالتكم في افتتاح الدور الثاني من الفصل التشريعي الأول، والذي أعربتم فيه عن أمنياتكم بأن يتواصل الأداء بالوتيرة ذاتها ليكون دور الانعقاد الثاني كسابقه ناجحًا، تحقيقًا لآمال المواطنين الذين يتطلعون إلى أن يستمر أداء السلطة التشريعية فعّالاً، وهو ما نطمئن إلى تحقيقه في ضوء النتائج الطيبة التي أنجزها كلا المجلسين على صعيد العمل التشريعي، وما قام به مجلس الشورى من جهد ملموس في إطار بناء جسور التواصل مع المجالس التشريعية في العديد من الدول الشقيقة والصديقة، بل إننا نطمح ونتطلع إلى أن يكون الدور الثاني أكثر عطاء بفعل تكريس ما اكتسبه الأعضاء من خبرة وتجربة هما ثمرة لممارسة ميدانية على صعيد العمل البرلماني، الذي يشهد على الدوام نماء وتطورًا منذ أن أرسى الآباء والأجداد بنضالهم المضني وكفاحهم الدؤوب ركائزه الأولى والأساسية، مما يحفزنا على المضي قدمًا في مسيرتنا البرلمانية الدستورية الملتزمة بأسس العمل الوطني وثوابته، والانطلاق بها نحو أفق أكثر رحابة بما يعود بالنفع والخير على هذه التجربة وبالتالي على مملكتنا الغالية.

ويشرفنا – يا صاحب الجلالة – أن نعرب لكم عن امتناننا العميق وغبطتنا البالغة حيال ما حرصتم جلالتكم على الإشارة إليه في خطابكم السامي من تقدير للإنجاز الذي تحقق في العام الأول من عمر المسيرة البرلمانية، التي استلهمت خصائصها ومقوِّماتها من الحصيلة المتراكمة للخبرات والتجارب المرتبطة بتراب هذا الوطن، واستمدت حيويتها من محتوى المشروع الإصلاحي التحديثي ومضمونه الذي أطلقتموه جلالتكم أسلوبًا ونهجًا، مما أسهم في تعزيز المسيرة المباركة التي يقودها جلالتكم بكل حكمة وحنكة واقتدار من خلال شحذ الهمم، واستنهاض مقوّمات العطاء لدى شعب البحرين لتحافظ مملكة البحرين بذلك على مركزها المتقدّم ومكانتها المرموقة بين أقطار العالم الحرة والمتحضرة. وإننا إزاء ذلك لنبادل جلالتكم التحية المقرونة بخالص ووافر التقدير والامتنان والعرفان، مؤكدين لجلالتكم أن المسيرة البرلمانية الدستورية التي أرسيتم دعائمها وثوابتها ستستمر وتتواصل لتتنامى وتتطور وفق خطوات مدروسة في ظل الإجماع الوطني لتقدم للعالم النموذج والقدوة لتجربة ديمقراطية واضحة الأبعاد والرؤى بيِّنة المعالم والمقاصد محددة الأهداف والغايات، مستذكرين في هذا المجال التعاون البناء والتنسيق القائم بين المجلس والحكومة الموقرة طيلة دور الانعقاد الأول الذي جاء بناء على التوجيهات السديدة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر، والذي أسهم بشكل فاعل في إنجاح التجربة البرلمانية، مؤكدين لجلالتكم أننا عاقدو العزم على المضي قدمًا في ترسّم النهج ذاته في تعاوننا مع الحكومة الموقرة على مختلف الصعد، انطلاقًا من قناعتنا الأكيدة بأهمية ذلك، ولأنّ التعاون البناء بين السلطتين التشريعية والتنفيذية - كما أشرتم جلالتكم في خطابكم السامي - له الأولوية المطلقة ليصل الازدهار إلى كل مواطن وأسرة، ولأن ذلك يقود بالضرورة إلى ترسيخ الإصلاح الديمقراطي على أسس وطيدة من البناء الاقتصادي والاجتماعي.

 صاحب الجلالة،
إننا إذ نؤكد على هذا التعاون باعتباره أحد مرتكزات ومنطلقات عملنا لنعد جلالتكم بمضاعفة الجهود لسن تشريعات وقوانين تدفع قوى وفعاليات مجتمعنا الحي إلى الأمام في سباق مع الوقت من جانب، وحرص على جودة العمل من جانب آخر. فمقصدنا وهدفنا إعطاء كل التشريعات والقوانين حقها من الدراسة والبحث المستفيضين لتأتي ملبية لحاجات المجتمع، مواكبة لمعطيات العصر.


صاحب الجلالة،
 إن خطابكم السامي يشكل نبراسًا لنا جميعًا لأنه مفعم بالإضاءات الكاشفة والعبر الغنية لما يجب أن يكون عليه منهج الإصلاح والتطوير والتنميـــة. إذ شخّص الخطاب بعمق طبيعة التحديات والصعوبات التي تقترن عادة مع البدايات والمراحل الانتقالية حيث قلتم : "إن البدايات والمراحل الانتقالية في تجارب الشعوب تمثل مقياســًا دقيقًا لقدرتها على التكيف مع التطور في واقعـنا والانتقال به إلى الأفضل". فهذه النظرة الثاقبة تنم مدلولاتها وأبعادها عن حكمة قائـد خبير بالتاريخ ملم بالحوادث مدرك للتحولات الكبرى، فالانتقالات الواسعة لا تتحقق في الغالب إلا بإرادة ومضاء وعزم لا يلين. وفي ذلك نداء محفز للجميع ليشمروا عن ساعد الجد، ويعملوا التفكير ويشحذوا الهمم، ويقتربوا من الواقع ومجريات الأمور وطبيعتها، ويتدارسوا الحقائق، ويجيدوا اختيار المسار، مما يتطلب منا جميعًا أن نتبيَّن الطريق والوسيلة المثلى للسير فيه بقدرة الشعب المتسلح بالوعي والناقد والمبدع والمتطور الذي يضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، ذلك أن خدمة الوطن مسئولية مقدّسة يشترك في تحملها المجتمع بأسره، وفي طليعته قواه الحية، وشرائحه الواعية.

وإننا لنشاطر جلالتكم ما أكدتم عليه من أن البحرين قد استطاعت تحقيق ذلك بنجاح كبير وفي زمن قياسي بفضل من الله ثم بإرادة وطنية قادها جلالتكم، وانتظمت فيها كل فعاليات المجتمع وبخاصة السلطة التشريعية المتمثلة في مجلسي الشورى والنوّاب ومؤسسات المجتمع المدني والمنابر السياسية والعلماء والعمال والمثقفين رجالاً ونساء، متطلعين إلى توظيف هذا النجاح وترجمته في برنامج عمل وطني شامل يأخذ في الحسبان استثمار الطاقات والإمكانات المتاحة كافة لتعزيز مسيرة العمل والبناء، والإسراع في عملية التحديث باعتماد المرونة والانفتاح على العالم.

صاحب الجلالة،
إن ما يدفعنا إلى التركيز بشكل أكبر على هذه المساحة المضيئة من خطابكم السامي هو ما يحدث بين الفينة والأخرى من بعض الحوادث العابرة التي قد تضع العصا – دون أن تعي – في عجلة التطوير والإصلاح، وتخلق بؤر توتر جديدة لمسيرة تسعى إلى الانطلاق، وهي معبأة بالغايات الكبيرة والأهداف النبيلة. لذا فإننا نتمنى أن تتعامل مؤسسات المجتمع المدني كافة مع هذه القضايا بما تمليه عليها مسئولياتها الوطنية، داعين الحكومة الموقرة إلى الاستمرار في معالجة ذلك بما عرف عنها من حكمة ورويّة لنواصل مسيرتنا في مشروعنا الإصلاحي، مؤكدين أن مثل هذا التعاطي الحي والمرن والمتسامح بين الجميع سيخلق فرصًا ممتازة لتخطي العقبات، وتقوية جسور التآلف والتعاون المثمر والبناء.

صاحب الجلالة،
إننا لنعتقد جازمين بأن مسئوليات كبيرة تقع على عاتق جميع القوى الفاعلة في المجتمع، خاصة في هذه المرحلة المفصلية من مراحل العمل الوطني. وإن الجميع مدعو إلى ممارسة دوره في بناء مجتمع الأمن والسلم، والإسهام بفاعلية في تحقيق الاستراتيجية الوطنية في ظل رؤيتكم الواضحة التي تقوم على الارتقاء بمفهوم الأمن الوطني إلى مصاف الأمن الإنساني الذي تنشده وتتطلع إليه شعوب وأمم الأرض قاطبة، مستذكرين في هذا المجال الشوط الكبير الذي قطعته مملكة البحرين على هذا الطريق وبخاصة فيما يتعلق بتعزيز الوحدة الوطنية وتماسك الجبهة الداخلية التي هي رديفة للاستراتيجية الدفاعية الوطنية كما أشرتم جلالتكم في خطابكم السامي، منوّهين في هذا الشأن بالدور البارز الذي تضطلع به قوة دفاع البحرين باعتبارها الحصن المنيع لحماية الوطن وصون مكتسباته، وهو ما أسهم في أن تحظى البحرين بتقدير واحترام الأمم المتحدة ومنظماتها المتعددة، بل والمجتمع الدولي بأسره باعتبارها إحدى أبرز الدول التي تعنى بحقوق الإنسان، وتوفر له أسباب الحياة الحرة الكريمة، حيث إن هذه النتائج الطيبة التي تحققت إنما جاءت بلاشك ثمرة لجهود مضنية بذلت من قبل جميع المعنيين بالشأن العام.

إننا يا صاحب الجلالة لنؤيد ما تضمنه خطاب جلالتكم السامي بأن يكون البرنامج الاجتماعي شاملاً ليغطي مختلف فئات المواطنين دون تمييز، وخاصة ذوي الدخل المحدود، وبما يعزز الأمن الاقتصادي للمواطن من مسكن وعمل، وأن يتضمن هذا البرنامج الآليات التي تضمن زيادة إنتاجية المواطن في عملية التنمية الشاملة والمستدامة، مع التركيز على تفعيل حركة الاقتصاد الوطني، والإسراع في تنفيذ المشاريع الإسكانية التي تم الإعلان عنها، والإعداد لإقامة المدن الجديدة مع الدعوة إلى مباشرة العمل سريعًا في إنشائها لتلبية الاحتياجات الإسكانية الملحة للمواطنين إرساء لدعائم مشروع الإسكان الشامل في مملكة البحرين لهذا الجيل والأجيال القادمة.

واسمحوا لنا يا صاحب الجلالة أن نستذكر هنا بالعرفان والتقدير الدور البارز لصاحب السمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد الأمين القائد العام لقوة دفاع البحرين، مشيدين بجهود سموه المخلصة في دعم مجالات التنمية الاقتصادية، وإنشاء المشروعات الإسكانية الطموحة في مختلف مناطق البلاد.

صاحب الجلالة،
إن ما أكدتم عليه في خطابكم السامي من أهمية ترسيخ دولة القانون والاقتصاد الحر، ورفع مستوى معيشة المواطن والشفافية والتعددية والاعتدال واحترام حقوق الإنسان، إنما هو إشارة إلى أدوات الإصلاح والتطوير والنمو، ومرتكزاته الأساسية. وإن هذه الأدوات الفاعلة هي التي ستقودنا إلى بلوغ الهدف، وتحقيق المنجزات إن شاء الله.

فالمواطن الذي تراعى حقوقه وتصان في دولة القانون، ويتم توفير العيش الكريم له، ويعيش الأمان والحرية هو الذي يستطيع أن ينتج ويعمل ويتفاعل مع الأهداف الكبرى. فلقد قامت الدول المتقدمة على تشريعات منصفة وعادلة يتم تطبيقها واحترامها. ولن يتحقق كل ذلك إلا ضمن مناخ يسوده النظام، والقوانين والتشريعات، وتحفظ فيه حقوق الانسان، ويتمتع المواطن فيه بكل هذه الحقوق، خاصة في العمل والصحة والتعليم والحماية الأمنية.

وانطلاقًا من تأكيد جلالتكم أهمية ترسيخ نظام الاقتصاد الحر الذي يراعي مصالح جميع المواطنين، ويرفع من مستوى معيشتهم، فإننا نؤكد على ضرورة المساهمة الفعّالة للقطاع الخاص في التنمية، حيث إن هناك قنوات وآفاقًا متعددة تتطلب من السلطتين التشريعية والتنفيذية التعاون بشأنها لوضع الآليات المناسبة لتحقيق ذلك، وفي مقدمتها استكمال التشريعات والقوانين والأنظمة التي تساهم في دفع عجلة التنمية، وتشجع القطاع الخاص على الاستثمار في مجمل مشاريع التنمية، ومن أهمها تلك المتعلقة بالشفافية ومحاربة الفساد الإداري والمالي بتفعيل الرقابة المالية والإدارية.
وإننا يا صاحب الجلالة لنتعهد لجلالتكم بأننا لن نألو جهدًا في القيام بما يمليه علينا الواجب في هذا الشأن، متعاونين مع الحكومة الموقرة لتحقيق هذا الهدف النبيل.

وفي ضوء ذلك نرى ضرورة تأكيد عدد من المحاور الأساسية فيما يتعلق بالشأن الاقتصادي يمكن إيجازها في التالي :
1. تسهيل إجراءات الاستثمار لجذب واستقطاب المزيد من الاستثمارات الخارجية ورؤوس الأموال، مما يستوجب اتباع أساليب وأنماط جديدة في التعامل مع المستثمرين.
2. دعم الحكومة وأجهزتها للقطاع الخاص بتسهيل وتبسيط إجراءاتها بعيدًا عن البيروقراطية والتعقيد.
3. تفعيل مجلس التنمية الاقتصادية ليضطلع بمهامه ومسئولياته، وتعزيز دوره لوضع الاستراتيجيات التي تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد والنهوض به.
4. إقامة مشاريع اقتصادية جديدة تساعد على تطوير وتنمية الاقتصاد الوطني، بما في ذلك اقتصاد المعرفة، لخلق فرص عمل للمواطنين.
5. تشجيع ودعم الاستثمارات المباشرة المحلية كمشروع الفورميلا واحد وأمواج ودرة البحرين ومرفأ البحرين المالي وغيرها، والعمل على تأسيس بنية تحتية وطنية في المجالات المالية والاقتصادية والسياحية والتعليمية والصحية.
6. دعم وتعزيز برامج التدريب لخلق المزيد من العمالة الوطنية المدربة والمؤهلة لتحل محل العمالة الأجنبية.


صاحب الجلالة،
لقد تحققت إنجازات اقتصادية كثيرة ضمن مسيرتنا التنموية، غير أن ثمة عراقيل قد تحول دون انطلاقتنا بسرعة أكبر وبأداء أكثر تميزًا، مؤكدين في هذا المقام أن عجلة الإصلاح الاقتصادي لن تتسارع وتيرتها دون وجود نظام إداري ومالي دقيق وواضح يسهم في كسب ثقة المستثمرين، وتأمين احتياجاتهم دونما معوِّقات أو مصاعب أو عقبات.


ولأنه لا نماء اقتصاديًا في ظل الاضطرابات المجتمعية، والصراعات الطائفية والتوتر السياسي، والتناحرات الفئوية، فإننا يا صاحب الجلالة لنؤكد تأييدنا المطلق لتوجهات جلالتكم الهادفة إلى ترسيخ الدعائم الوطيدة والدائمة للوحدة الوطنية التي هي ثمرة للتفاعل الإيجابي بين جميع المؤسسات الوطنية التي تضع مصلحة الوطن وأبنائه فوق كل اعتبار، مؤكدين أهمية أن تلتزم جميع شرائح المجتمع ومؤسساته وفعالياته بمختلف أطيافها وتوجهاتها وانتماءاتها بهذا المبدأ الذي هو من دعائم وثوابت وأساسيات مبادئ العمل الوطني الذي أكد عليه مشروع جلالتكم الإصلاحي.

وفي هذا الخصوص فإن من الأهمية بمكان وضع برنامج للتربية والتثقيف السياسي يهدف إلى إعداد النشء منذ البداية على إدراك واجباته الوطنية وحقوقه في ظل النظام الديمقراطي، مع التعريف بالآلية الدستورية والقانونية التي يتم من خلالها تأدية الواجبات وصون الحقوق. لذا فإننا نقترح أن يتم تعليم هذه المبادئ في المدارس، ويتم تضمين المناهج الدراسية جميع هذه المبادئ جنبًا إلى جنب مع البرامج الأخرى للتربية الوطنية وحقوق الإنسان التي تتم من خلال مختلف الوسائل المتاحة، ومن بينها مدارس المستقبل الرائدة، حيث يأتي مشروعكم الكبير للإصلاح التعليمي الذي يعرف بمشروع حمد لمدارس المستقبل ضمن هذا الإطار.

صاحب الجلالة،
إننا نشهد الآن وضع اللبنات الأولى لنهضة كبيرة واعدة، تتمثل في المشاريع المتلاحقة والكبيرة التي تطرحونها جلالتكم والتي تحمل في طياتها الكثير من بشائر الخير التي تزيدنا ثقة أكبر في قيادتكم الحكيمة والواعية، فإلى جانب ما تتمتع به مملكة البحرين من ريادة مالية وتطور إنمائي فإنها غدت الآن مركزًا تشريعيًا وفكريًا وثقافيًا تتضاعف أهميته باستمرار. واسمحوا لنا يا صاحب الجلالة أن نغتنم هذه الفرصة للتعبير عن أمنياتنا بأن تصبح البحرين أيضًا مركزًا للقضاء الاقليمي المتقدّم، نظرًا للمعطيات العديدة التي تتوافر فيها وما تمتلكه من إمكانات تجعلها مؤهلة لأن تضطلع بمثل هذا الدور الهام، والذي سيفضي في حالة تحققه إلى تعزيز مكانة المملكة باعتبارها دولة قانون، ومنتدى للحوار الفكري والثقافي.

ولاشك أن البحرين بما تمتلكه من رصيد فكري وثقافي وحضاري وتاريخي، وما يمتاز به شعبها من انفتاح على مختلف الحضارات والثقافات يجعلها قادرة على القيام بهذا الدور الطليعي بكفاءة عالية. وإن تحقيق ذلك يتطلب الإسراع في وضع الآليات والاستراتيجيات والبرامج التي تسهم في وضع البحرين على خارطة أهم مناطق جذب المنتديات الفكرية والثقافية، وملتقى لحوار الأديان والتقريب بين المذاهب الإسلامية، متطلعين بعزم وثقة كبيرين إلى تحقيق ما أشرتم إليه جلالتكم من أن البحرين ستشهد المزيد من الفعاليات، وإنشاء مراكز المعلومات والدراسات الاستراتيجية المتميزة.

صاحب الجلالة،
إن البحرين وهي تشهد هذه النهضة الكبيرة لابد لها من الاستفادة من جميع طاقات المجتمع القادرة على الإنتاج، وهو ما يدعونا إلى تأكيد أهمية فتح جميع المجالات أمام المرأة، وتطوير كفاءاتها لتؤدي دورها الريادي في هذه النهضة المباركة، وخاصة بعد أن أكدت المرأة البحرينية قدرتها في ميدان العمل والإنتاج، وتفوقها في جميع المجالات. لذا فإن مجلس الشورى يؤكد ضرورة تطوير التشريعات المتعلقة بالمرأة بالتعاون مع جميع الفعاليات التي تعنى بشئون المرأة البحرينية، وعلى رأسها المجلس الأعلى للمرأة. كما أن الطفولة باعتبارها المستقبل الواعد لهذا الوطن تحظى هي الأخرى باهتمام ورعاية المجلس، حيث يتم التعاون والتنسيق في دعم ورعاية وحماية الطفولة مع العديد من الجهات المعنية، وإن المجلس ينوي تركيز الجهود على ضرورة التشريعات والقوانين المتعلقة بحماية الطفولة.

إن سياستكم الحكيمة – يا صاحب الجلالة – قد جعلت من البحرين أنموذجًا حضاريًا مرموقًا على المستويين العربي والعالمي، وهو ما نلمسه من خلال الحضور البارز والمشرف للبحرين في كل المحافل العربية والإقليمية والدولية، ذلك أن تجربتكم الرائدة تلقى الثناء والصدى الإيجابي في الوطن العربي بأسره وفي مختلف دول العالم. ولا نبالغ إذا قلنا إن الطلائع السياسية والفكرية الساعية للتطوير في الدول العربية ترنو إلى تجربة البحرين الرائدة في مسيرتها الناجحة التي أصبحت واحدة من العلامات البارزة على طريق الإصلاح في العالم العربي، وهو ما يبعث في نفوسنا الارتياح ويملؤها بالسعادة.


صاحب الجلالة،
 إننا لنشاطر جلالتكم الرأي في أن العام الجاري كان من أصعب الأعوام التي مرّت على المنطقة العربية، وخاصة في فلسطين والعراق، حيث يعيش الشعب الفلسطيني الشقيق ظروفًا بالغة الصعوبة نتجت عن الاحتلال الإسرائيلي وممارساته القمعية العدوانية.

كما أن الشعب العراقي الشقيق لايزال يتعرّض لأزمات ومحن خانقة يدفع جرّاءها الكثير من أرواح أبنائه وتطال آثارها كل مناحي الحياة فيه. غير أننا على ثقة تامة بأن جلالتكم باعتباركم رئيس الدورة الحالية لجامعة الدول العربية وبما تمتلكونه من حكمة وحنكة وبعد نظر، وبالتعاون مع إخوانكم قادة الدول العربية الشقيقة ستعملون على الحد من آثار ما يتعرّض له أبناء الشعبين الشقيقين من ممارسات واعتداءات خطيرة، وتجنيبهما المزيد من المآسي والويلات والدمار، مناشدين القادة العرب في هذا الظرف الدقيق والخطير أن تنتظم جهودهم وتتوحد مساعيهم الخيرة للحفاظ على وحدة العراق أرضًا   وشعبًا، مؤكدين في الوقت ذاته على الدور البارز الذي يجب أن تضطلع به المرجعيات الدينية وشيوخ القبائل والعشائر وكذلك القوى الوطنية في تعزيز الوحدة الوطنية في العراق الشقيق، بما يسهم في درء المخاطر، وتجاوز المحنة.

وكما عوّدنا مجلس التعاون لدول الخليج العربية بتفاعله الإيجابي مع القضايا المصيرية للأمة العربية، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من نسيجها العام فإننا نتطلع إلى أن نرى جهدًا منسقًا ومؤثرًا للمجلس في الإسهام في استتباب الأمن والاستقرار في ربوع العراق الشقيق، والعمل مع المجتمع الدولي بأسره في حل القضية الفلسطينية من خلال إرساء دعائم السلام العادل والدائم الذي يكفل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني الشقيق، وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني وعاصمتها القدس الشريف، مثمنين عاليًا جهود جلالتكم الحثيثة بالتعاون مع إخوانكم قادة دول المجلس في تفعيل دوره وتمكينه من أن يسرع الخطى نحو تلبية وتحقيق تطلعات شعوب المجلس نحو مزيد من التنسيق والتعاون ليلمس المواطنون ثمرة ذلك في شكل مشروعات وبرامج مشتركة تعزز اللحمة والوحدة والانتماء في ظل المبادئ السامية التي قامت عليها هذه المنظومة الخليجية، مؤكدين أهمية التركيز على التكامل بين دول المجلس للتعاطي مع المستجدات التي يفرزها عصر التكتلات الكبيرة.

كما أن ما أشرتم إليه جلالتكم في خطابكم السامي من توافق القادة العرب على طرح تصورات لتطوير ميثاق الجامعة العربية تفعيلاً للعمل العربي المشترك ليعبّر عن أمل لايزال يراود أبناء الشعب العربي من خليجه إلى محيطه، داعين لكم وقادة الأمة العربية بالتوفيق في بلوغ هذا الحلم، الذي إن تحقق فستكون له آثار إيجابية على مسيرة العمل العربي المشترك، وخاصة أن الأمة العربية قد عانت الكثير من الهوان والإذلال على يد أعدائها جرّاء تشرذمها وانكفاء كل قطر عربي على نفسه، مما بدّد طاقات الأمة، وجعلها نهبًا مستباحًا للمتربصين بها من الإسرائيليين الصهاينة وغيرهم، رغم ما يستقر في ضمير هذه الأمة من توجه نحو السلام والاستقرار، ورغبة صادقة للإسهام في مشاركة أمم الأرض الأخرى عملية البناء الفكري والحضاري والإنساني، وهو الوجه الحقيقي لهذه الأمة الذي ميزها على مدار التاريخ.

وبمراجعة شاملة وفاحصة ودقيقة لطبيعة الأوضاع التي نجتازها فإننا نؤيد بشكل مطلق ما أكدتموه جلالتكم من أن الأمة بحاجة إلى ثلاثة انعطافات تاريخية تتمثل في إصلاح أوضاعنا، وإحياء تضامننا بفاعلية، والعودة الجادة إلى اكتساب التقدم الحضاري اللازم لبناء الأمم في هذا العصر. ونشاطر جلالتكم رؤيتكم الحصيفة بأن الأمة في خطر، وأنه لابدَّ من صحوة مسئولة. وانطلاقًا من هذا النداء فإن المسئولية القومية تقتضي من الجميع القيام بواجبهم في مثل هذا المنعطف التاريخي والظرف المفصلي الذي تجتازه الأمة العربية.


صاحب الجلالة،
إننا وقد سعدنا بما اشتمل عليه خطابكم السامي من معانٍ جليلة وآراء سديدة لنود أن نعرب لجلالتكم مرة أخرى عن خالص الشكر وعظيم التقدير والامتنان لما حفل به الخطاب السامي من دلالات واضحة تؤكد ثقة جلالتكم في حسن أداء المجلس الوطني في الدور الأول من الفصل التشريعي الأول، وهو ما يغمرنا بالسعادة، ويحملنا في الوقت ذاته مسئوليات جسامًا نسأل المولى جلت قدرته أن يهبنا القوة على تحملها بكل أمانة وإخلاص، مؤكدين لجلالتكم أننا سنفرغ كامل جهدنا للقيام بواجبنا تجاه عملية التشريع والتقنين التي تتطلب الكثير من الجهد والوقت.

وإننا بعد اتكالنا على الله ثم على دعم جلالتكم وبالتعاون مع مجلس النواب والحكومة الموقرة سنعمل على القيام بمسئولياتنا في هذه المرحلة الهامة من تاريخ وطننا الغالي، بعد أن اجتزنا بنجاح المرحلة الأولى في مسيرتنا الديمقراطية.

وإنه بقدر ما يملؤنا من شعور بالاطمئنان إلى مواصلة نجاحنا في هذه المهمة فإننا نود أن نطمئن جلالتكم وأبناء شعبكم الكريم بأننا معا سائرون على درب واحد، ونحو غايات واحدة تهدف إلى خير هذا الوطن العزيز وإسعاد ورفاهية أبنائه المخلصين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رئيس وأعضاء مجلس الشورى

 

Page last updated on: 27/03/2017 09:12 PM