أرشيف الكلمات السامية لجلالة الملك المفدى
الخطاب الملكي السامي الثاني للفصل التشريعي الأول
الخطاب الملكي السامي الثاني

​​ ​بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة والأخوات أعضاء المجلس الوطني ،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،

يسعدنا أن نفتتح دور الانعقاد الثاني للمجلس ، متمنين لكم جميعًا في مجلس الشورى ومجلس النواب دورةً مثمرة أخرى من العمل البرلماني المواكب لما يتطلع إليه المواطنون من أداء فعّال للسلطة التشريعية في البحرين .

ويطيب لنا بدايةً في هذا المقام أن نعرب لكم عن تقديرنا وتقدير الوطن لما أنجزتموه في العام الأول من عمر المجلس ، حيث مثل بداية مشجعة وموفقة في مسيرتنا البرلمانية المتجددة ضمن مشروعنا للإصلاح والتحديث الشامل الذي أقرته الإرادة الوطنية في الاستفتاء العام على الميثاق الوطني ، وهو ما سيبقى موضع اعتزازنا والمنطلق الذي لن يتوقف لبناء بحرين الغد ، يداً بيد مع كل بحريني وبحرينية .

فباسم الوطن ، نعرب لكم من القلب عن عميق التقدير والشكر ، فأنتم الرواد في تجديد وانطلاقة هذه المسيرة البرلمانية الدستورية المباركة ، التي نعتبرها من أعز أمانينا من أجل شعبنا الوفي ، فشكرًا لكم جميعًا كأعضاء في مجلس الشورى امتثلوا لأمانة التكليف ، وكأعضاء في مجلس النواب امتلكوا شجاعة الاحتكام لإرادة الشعب .

أيها الإخوة والأخوات ، 

إن البدايات والمراحل الانتقالية في تجارب الشعوب تمثل مقياسًا دقيقًا لقدرتها على التكيف مع التطور في واقعها ، والانتقال به إلى الأفضل ، ويمكننا القول إن شعب البحرين قد استطاع بفضل الله ، ممثلاً في مجلسكم الموقر ، وكذلك في مؤسسات مجتمعه المدني ومنابره السياسية الحرة ، وعلمائه وعماله ومثقفيه ، بل رجاله ونسائه كافة ، تحقيق ذلك بنجاح كبير في زمن قياسي يدفعنا إلى أن نبني عليه بعزم وثقة ما نريده معًا للبحرين ، وذلك ما ينبغي ترجمته في برنامج عملنا الوطني الشامل بالمزيد من البناء والتحديث بالمرونة والانفتاح على العالم ، بمشاركة كافة القوى الوطنية ، وبما يحقق الهدف المنشود ، الذي يعزز الثقة في الاستراتيجية الوطنية ومبادئها ومن أهمها ترسيخ دولة القانون والاقتصاد الحر ورفع مستوى معيشة المواطن ، والشفافية والتعددية والاعتدال واحترام حقوق الإنسان ، بما يرقى مفهوم الأمن الوطني إلى مصاف الأمن الإنساني الذي تنشده الأمم قاطبة ، وبقوات مسلحة تحفظ الكيان وجبهة داخلية متماسكة تكون رديفة للاستراتيجية الدفاعية الوطنية من أجل سلامة الوطن ، وذلك ما نراه يتحقق بفضل الله ، ثم بتعاونكم والحكومة الموقرة برئاسة صاحب السمو العم العزيز الوالد الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الذي لا يألو جهدًا بعميق خبرته من أجل الصالح العام ، فهذا التعاون البناء بين السلطتين له الأولوية المطلقة ليصل الازدهار إلى كل مواطن وأسرة ، فيترسخ الإصلاح الديمقراطي على أسس وطيدة من البناء الاقتصادي الذي ينبغي أن نحرص في برنامجنا الاجتماعي على أن يشمل مردوده مختلف فئات المواطنين وعلى الأخص ذوي الدخل المحدود ، وبما يعزز الأمن الاقتصادي للمواطن من مسكن وعمل ، ويزيد إنتاجيته في عملية التنمية الشاملة لوطنه . وفي ضوء الخطط الجارية ، فإنا نود الإشادة بإسهامات ولي عهدنا صاحب السمو الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة في تفعيل حركة الاقتصاد الوطني والإعداد لإقامة المدن الجديدة التي تمثل دعائم مشروع الإسكان الشامل في بحرين المستقبل .

وبتعميق هذه الأسس الواقعية المؤدية إلى الرخاء الوطني العام ، فإننا في الوقت ذاته نرسخ الدعائم الوطيدة والدائمة لوحدتنا الوطنية التي تحققت بالتفاعل الإيجابي بين مختلف مؤسساتنا الوطنية لمصلحة أبناء الوطن . وضمن سياستنا تعزيز الاقتصاد الحر ، فقد حان الوقت لتنامي الدور الأهلي وإسهام القطاع الخاص في الانطلاقة الاقتصادية . إن ريادة البحرين آخذة في التجدد على مختلف الأصعدة ، وهي إذ تواصل دورها الحيوي كمركز مالي متطور للمنطقة والعالم ، فقد غدت أيضًا مركزًا للقضاء الإقليمي المتقدم ، ومنتدى للتحاور الفكري بين المسلمين ، وكذلك للحوار بين مختلف الثقافات ، وستشهد المزيد من الفعاليات وإنشاء مراكز المعلومات والدراسات الاستراتيجية المتميزة ومدارس المستقبل الرائدة .

أيها الإخوة والأخوات ،

لا يخفاكم أن العام الجاري هو من أصعب الأعوام التي مرت على المنطقة العربية وخاصة في فلسطين والعراق ، ورغم دقة الأوضاع فقد أمكن عقد القمة العربية التي كان للبحرين شرف رئاستها في هذه الدورة . وأهم ما نجم عنها توافق القادة الأشقاء على طرح تصورات لتطوير ميثاق الجامعة العربية تفعيلاً للعمل العربي المشترك في هذا المنعطف التاريخي وذلك ما يتطلب المزيد من المتابعات الجادة . وينبغي أن تكون الرسالة جلية والموقف واضحًا ، إن هذه الأمة تريد السلام ، وتنشد العدل ، وترغب في المشاركة البناءة في الحضارة الإنسانية كما كانت ، لكنها لن تقبل أن تهان كرامتها وتنتهك قيمها وحقوقها ، وفي نهاية الأمر لن يساعدها أحد إن لم تساعد نفسها . ولا بد لنا في هذا الصدد من ثلاثة انعطافات أساسية :إصلاح أوضاعنا ، وإحياء تضامننا بفاعلية ، والعودة الجادة إلى اكتساب التقدم الحضاري اللازم لبناء الأمم في عصرنا ، فالأمة في خطر ولا بد من صحوة مسؤولة .

وبعد ، فهذه النظرة الشاملة للأفق الوطني والعربي تضع أمامنا برنامجًا مكثفًا يتطلب المزيد من العمل والفكر والجهد المتكاتف ، ولقد أثبتم من خلال عملكم البرلماني أن تطلعات المواطنين لا يمكن أن تتحقق إلا بمثل هذه المشاركة البناءة وعبر عملية التراكم القانوني المتنامي من خلال القنوات الشرعية ، وبالتمسك الواعي بثوابت نظامنا السياسي القائم على التسامح والانفتاح ، والذي صان الوطن ، ورسخ منجزاته ، وقاد نهضته ، فاتحًا المجال للمزيد من التطوير العام حسب سنن التقدم الطبيعي والمدروس .

وفي الختام نعرب لكم مجددًا عن تقديرنا العميق لجهدكم المبرور عند الله سبحانه ، ولدى كل مواطن مخلص .
هكذا نرفع معًا راية البحرين خفاقة في كل الآفاق وهي في سماء الكرامة والعزة .

وفقكم الله ، وإلى المزيد من العطاء ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .